
أنهينا مشوارنا نحو تحدي الزيب [1] 🏊🏽🚴🏽🏃🏽
قبل سبعة أشهر التقيت بروني بحيفا. روني ابن بلدي عيلبون وجاري بالبلد، بس بيننا جيل كامل فما التقينا هناك. شاءت الصدف نلتقي بحيفا، ونطلع جيران سكن كمان.
روني (51 سنة) مقيم بحيفا، أخصائي نفسي عيادي تربوي، ومحاضر بمجال العلاج النفسي. طلب مني أرافقه بالركض بسبب إعاقته البصرية. وهيك بدأ مشوارنا بالركض سوا، المشوار يلي بسرعة تحوّل لمشوار ثلاثي: سباحة وبسكليت وركض، وصار الهدف سباق ترياتلون [2].
هدف روني كان واضح: سباق الزيب، مسافة أولمبية. 1.5 كم سباحة، 40 كم بسكليت، و10 كم ركض.
اليوم، بعد سبعة أشهر، أنهينا السباق سوا بساعتين و55 دقيقة 🔥
وروني فاز بالمركز الأول بفئة البارا أولمبي 🥇
ما كانت المنافسة سهلة اليوم: بحر عالي وموج بارتفاع فوق المتر، بسكليت تاندام بتحدّاك بكل تدويسة، وركض سوا بنفس الوتيرة. والمشوار لهالمنافسة كان مليان تحديات ومصاعب، وروني ما تردد ولا لحظة بمواجهتها والتغلب عليها.
أنا كنت "المرافق"، وممكن بنظرة أولى يبين إني الطرف يلي "عطى". بس بالحقيقة، تعلمت وأخدت من روني أمور كتير.
ثمانية أمور باخدها معي من هالمشوار:
1️⃣ أحيانًا لازم نمشي أبطأ عشان نشوف أكتر. لما مشيت بوتيرة روني، بلّشت أسمع خطوات يلي جنبي، وأسمع الشاطئ، وأحس بالطريق. أول الطريق كان صعب عليّ أعتاد على وتيرة أبطأ من وتيرتي، وبعدين صار جزء جميل من المشوار. كتير مرات بحياتنا "منركض" وما منعرف ناخد نفس، ننصت لحالنا ونشوف البيئة حوالينا. مع روني وعيت البيئة حوالي أكتر، وتعودت "أركض" بهالحياة بنفس أطول، وأتمعّن بالأمور أعمق.
2️⃣ نعمة الحياة والحركة. أحيانًا ما منشوف النعم يلي معنا لأنها صارت عادية. البصر وحدة منها.
3️⃣ الخوف بيكبر لما ما منقدر نشوف. قبل سنوات جربت أسبح بالبحر بظلام كامل، ولا شي حواليّ، وكانت تجربة مخيفة وحملت معها توتر كبير من كل صوت وحركة. إنك تكون بفضاء واسع من دون ما تشوف حواليك أمر مخيف. كل مرة سبحت مع روني سألت حالي: من وين هالجرأة؟ كيف بيدخل البحر بثقة وهو ما بيشوفه، بس بيلمسه وبيسلّم حاله إله؟
4️⃣ القوة بالراس وبالقرار. من اللحظة يلي قرر فيها روني يخوض الترياتلون، بلّش يبني حاله صوب هالهدف. تمرن بكل الأجواء، بساعات الصبح قبل الشغل، وبنهايات الأسبوع. وتحسّن بحركته وجسمه ومهاراته بالتكرار وبالإصغاء لجسمه، لحاله وبجدارة.
روني ما انشغل بالهدف البعيد، وكل يوم ركّز يكون حاضر وملتزم بالمشوار نفسه. وبالنهاية أثبت إنه الهدف بيصير أقرب وبمتناول اليد لما منلتزم بالمشوار.
5️⃣ الثقة يلي أعطاني ياها روني، إني أكون الرفيق يلي بيوجّهه. وتعلمت إنه الكلمة بتصير خطوة. مش "انتبه" ولا "هناك"، بل كلام واضح ودقيق. وإنه الأنا بتتأخر ورا سلامة الشخص يلي معك. كل عتبة صغيرة قدامنا صار إلها وصف، وكل شجرة وبيت وزيتونة مرقنا حدها حاولت أذكرها وأوصفها. يلي ما بتشوفه العين حاولت أجسّده وأرويه بلساني، وأيقنت إنه في أمور ما كنت منتبه إلها قبل هيك.
6️⃣ التناغم بالوتيرة. السباق المشترك ربطني بروني كل الوقت: حبل بيناتنا بالسباحة والركض، وبسكليت تاندام مشترك. بهيك سباق بتحتاج وتيرة واحدة، نغمة واحدة، نفس واحد وحركة متماثلة تجمعنا.
7️⃣ مجتمعنا بحاجة لمرافقين. بهالمشوار كان ناقصني أشوف شباب وصبايا من مجتمعنا بمكان المرافقة والعطاء والحضور مع رفاقنا يلي بحاجة إلهم. قوة المجتمع بتنقاس بوجودنا لغيرنا وبمدى ما منسند الناس حوالينا. أعطوا وساهموا قد ما بتقدروا لمجتمعنا وبيئتنا، نحنا بأمس الحاجة.
8️⃣ الزعتر 🌿 روني أول واحد شفته بيأكل منقوشة زعتر قبل سباق، وكانت أول مرة بشم ريحة الزعتر عند خط بداية منافسة.
كانت دفعة طاقة رائحة الزعتر.
خلتني أفكر: ممكن نطلّع بابتكار فلسطيني لأكياس الجيل والسكر بطعم الزعتر؟!
ونشم الزعتر بكل سباق وبكل تحدي ونحمله معنا في كل بقعة ومنافسة؟
ومن درويش "احمل بلادك والزعتر(الزعتر اضافة مني) انى ذهبت وكن نرجسيا اذا لزم الامر" .. نرجسيا على بلادنا, على هويتنا, الحب لهذه الارض..
شكرًا لروني على الثقة وعلى المشوار. إنت درس بالالتزام وبالجرأة، وأنا فخور إني كنت جزء من هالمشوار 🙏🏽
──────────
الهوامش
[1] الزيب: قرية فلسطينية ساحلية شمال عكا، قرب الحدود مع لبنان. كان فيها قبل 1948 حوالي 2,200 نسمة وحوالي 525 بيتًا، وعاش أهلها من الزراعة والصيد. هُجّرت يوم 14 أيار 1948، ولاجئوها اليوم بجنوب لبنان، وبعضهم داخل البلاد، ومنهم بقرية المزرعة.
[2] الترياتلون: رياضة بتجمع ثلاث رياضات ورا بعض بدون توقف: سباحة، بعدها بسكليت، وبعدها ركض. وبيحتسب الزمن كمان لحظات التبديل بين الرياضات (T1 وT2). المسافة الأولمبية هي الأكثر انتشارًا: 1.5 كم سباحة، 40 كم بسكليت، و10 كم ركض، وهي أقصر بكتير من مسافات الآيرونمان.


